الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
297
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير . ثم يعود في النهاية ليكرر تلك الآية وهو قوله : ويل يومئذ للمكذبين الويل لأولئك الذين يرون آثار قدرة الله تعالى ثم ينكرونها ، يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أيها المخلوق السوي ، والمنشأ المرعي في ظلمات الأرحام ومضاعف الأستار ، بدئت من سلالة من طين ، ووضعت في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، وأجل مقسوم ، تمور في بطن أمك جنينا لا تحير دعاء ، ولا تسمع نداء ، ثم أخرجت من مقرك إلى دار لم تشهدها ، ولم تعرف سبل منافعها ، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك ، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك ؟ ! " ( 1 ) . ثم يقول تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا ( 2 ) ، أحياء وأمواتا ( 3 ) . " كفات " : - على وزن كتاب - و ( كفت ) - على وزن كشف - هو جمع وضم الشئ للآخر ، ويقال أيضا لسرعة طيران الطيور " كفات " لجمعه لأجنحته حال الطيران السريع حتى يتمكن من شق الهواء والتقدم أسرع . والمراد هو أن الأرض مقر لجميع البشر : إذ تجمع الأحياء على ظهرها وتهئ لهم جميع ما يحتاجونه ، وتضم أمواتهم في بطنها ، فلو أن الأرض لم تكن مهيئة لدفن الأموات لسببت العفونة والأمراض الناتجة منها فاجعة لجميع الأحياء . نعم ، إن الأرض هي كالأم التي تجمع أولادها حولها وتضمهم تحت أجنحتها ، وتغذيهم ، وتلبسهم ، وتسكنهم ، وتقضي جميع حوائجهم ، وتحفظ
--> 1 - نهج البلاغة ، الخطبة 163 . 2 - " كفاتا " : مفعول ثاني ل ( جعلنا ) وهو مصدر قد جاء بصيغة اسم فاعل . 3 - " أحياء وأمواتا " : حال لضمير مفعول محذوف تقديره ( كفاتا لكم أحياء أمواتا ) .